صوت البارد في بيروت

مقدم بواسطة almanshour فى 26 يناير, 2010 - 2:26pm.

فرح قبيسي

المنشور - العدد 17 - خريف 2009

AlManshour17 Farah_Kobeissi NBC
(فرح قبيسي)


هي المرة الأولى التي يخرج فيها أبناء المخيمات الفلسطينية متوجهين إلى قلب العاصمة بيروت للمطالبة بإعادة إعمار مخيم نهر البارد. جاؤوا من البارد والبداوي وعين الحلوة وشاتيلا وبرج البراجنة، تلبيةً لدعوة هيئة المناصرة الأهلية للبارد واللجنة الفلسطينية العليا لإعادة إعمار المخيم للاعتصام في ساحة الشهداء ولمطالبة الحكومة اللبنانية بإعادة العمل بخطة الإعمار. وكان العمل في المخيم قد توقف بعد رفع النائب ميشال عون دعوى أمام مجلس شورى الدولة لوقف الإعمار بسبب اكتشاف مدينة أثرية عثر عليها هناك (مدينة أرتوزيا).

كان الحضور كثيفاً، على الرغم من أن المنظمين توقعوا مشاركة أكبر، تراوحت أعداد المشاركين بين ألفين وأربعة آلاف متظاهر بحسب المنظمين، وسط غياب شبه كامل لممثلين عن الفصائل الفلسطينية. إلاّ أنّ ذلك ما كان متوقعاً، فلطالما اقتصرت تحركات الفصائل الفلسطينية على اعتصامات رمزية ومتفرقة لا تقفز مع المطالب فوق جدران المخيمات.

ألقت منسقة هيئة المناصرة، نوال الحسن كلمة طالبت خلالها الحكومة اللبنانية الإيفاء بالتزاماتها، خاصةً «التزام الرئيس السنيورة، بقوله إن النزوح مؤقّت والعودة مؤكّدة والإعمار محتّم»، ومجلس شورى الدولة «الذي نعوّل على حكمته وإنسانيته في اتخاذ قرار ينقذ أبناء البارد». كما طالبت بـ «عدم إدخال البارد في التجاذبات السياسية، وإعادة إعمار المخيم في مكانه». وناشدت حسن احترام النسيج الاجتماعي والحرص على عدم تشتت العائلات والأُسر، وذلك للمحافظة على الانتماء والهوية الفلسطينية. أما رئيسة الاتحاد النسائي الديموقراطي اللبناني جمانة مرعي، فقد دعت إلى الإسراع في إعادة إعمار المخيم وطالبت بمنح الفلسطينيين الحقوق المدنية والاجتماعية.

الحماس والغضب كانا يملآن الوجوه. وشاركت النساء بشكلٍ كثيف مرددات شعارات من مثل «يا حكومة وينك وينك، شعب البارد قدّام عينك. شعب البارد يا جبّار، البارد إلنا مهما صار. ما بدنا مونة ولا كراتين، بدنا إعمار القديم».

تجلس رواء بلال عبّاس على حافّة الرصيف بثوبها الأسود، تتردد بالتحدث معنا ومن ثم تقول «هيدا أول يوم بطلع فيه بعدما توفي زوجي، جيت مباشرةً على الاعتصام.. لّما بِدْيِت الحرب ما قدرناش نطَلِّع من بيتنا ولا غرض، ولمّا رجعنا لقيناه كلّو محروق مع العفش.. واليوم إذا ما إعتصمناش مش رح يواصلو الإعمار»، تشارك لينا درويش بالحديث فتقول «أنا تم تدمير بيتي بعد انتهاء الحرب، قاموا بتفجيره من أساساته، واليوم أعيش مع عائلتي بغرفة استأجرتها الأونروا، نتشارك فيها الحمام والمطبخ مع ثلاث عائلات».

رامي، أحد منظمِّي التحرُّك، يوضح الصورة أكثر فيقول «إذا جبتي كيلو بندورة وحطّيتي بالغرفة أقل من ساعة، بيخرب بسبب الحرارة، فكيف بالنسبة لغرفة مكتظة بالبني آدمين؟» يضيف رامي بانفعال «في الإعلام بيقولو إنو البارد منطقة مدنية وسيعاد إعمارها...بس خلّيهم يطلعو يشوفو...ما دام الإعلام بحد ذاته ممنوع لسّه يفوت على المخيّم!.. البارد منطقة عسكرية مسكّرة بالمدرعات.. إحنا عايشين تحت حكم عسكري.. الشباب منّا اللي بيطلعو على الإعلام ويشكوا، عم يُحالوا على التحقيق». وكانت منذ فترة قد بدأت تعلو الأصوات المندّدة بالتشديد الأمني عند مدخل المخيم وبالتصاريح المذلّة لأبنائه وبطوابير التفتيش الشخصية التي تستمر لساعات. وقد حصل الكثير من الإشكالات نتيجة القصور بعديد العسكر النسائي لتفتيش النساء. ويروي رامي حادثة كيف أن الجيش رفض دفن ميت داخل المخيم قبل أن يستحصل له أهله على تصريح للدخول!

هذا يعبّر عن النظرة الأمنية التي تتعاطى بها الطبقة السياسية اللبنانية في ما خص ملف البارد بالتحديد، فكما جاء في البيان الذي وزعته هيئة المناصرة «بعد مغادرة سكان نهر البارد مخيمهم خلال الحرب، كان الردّ السياسي اللبناني بالتعامل مع مخيم نهر البارد كنموذج ليطبَّق مستقبلا في كل المخيمات بفرض نظرة أمنية، وذلك بعد عقود من التمييز ضد الفلسطينيين في الحقوق الإنسانية. ففُرض التصريح الأمني على نهر البارد ومُنِعَت حرية الحركة والإعلام...

وبعد التدمير الكبير للبيوت خلال الحرب، أُعلن المخيم منطقة عسكرية ومُنع الناس من العودة إلى بيوتهم التي تعرّضت للسرقة وللحرق. وحدثت مماطلات مختلفة في عملية الإعمار التي تأجّلت عامَين من دون بناء بيت واحد، ثم جُرِف المخيم المكوَّن من ١٦٥٠ مبنىً بالكامل... وأخيراً، جرى وقف عملية الإعمار «مؤقتاً» في نهر البارد بحجة الآثار مباشرة بعيد البدء بها، وذلك بعد الوعود «المؤكدة» بإعمار البارد».

إذًا، هذا التحرك كان الأول من نوعه في قلب العاصمة حيث مركز القرار، إلاّ أنه «لن يكون الأخير» حسب التوجه العام للحاضرين. يقول رامي «بدأنا الاعتصامات داخل المخيم عند حجر الأساس وبعدها انتقلنا لطرابلس بساحة النور، واليوم نحن في بيروت، وإذا لم تتم الاستجابة لمطالبنا فنحن متوجهون للتصعيد».


أرسل تعليق جديد



The content of this field is kept private and will not be shown publicly.


*

  • Lines and paragraphs break automatically.