انضمّوا إليناآخر الاخبار
محتوى شعبىطول الوقت:أسم المستخدممركز الدراسات الاشتراكية - مصر
|
الإقصاء بالامتحانمقدم بواسطة almanshour فى 26 يناير, 2010 - 2:40pm.
نضال مفيد المنشور - العدد 17 - خريف 2009 «عند الامتحان يكرم المرء أو يهان»، مثل شهير يقال في الحياة اليومية، يقابله مثل آخر «خذ الصفر ولا تبالي، فإن الصفر شأن الرجال»، والأخير يقال من الجنسين بالرغم من تعبيره عن ذكورية فاقعة. لماذا الامتحان؟ وهل من ضرورة له في العملية التربوية؟ ما هو هدفه المعلن؟ وما هو هدفه الحقيقي؟ وهل من بديل تربوي يتصدى لهذا الواقع المفروض؟ محاولة تعريف في أغلب الحالات تحدد المعرفة أو المعيار لتحديد المواطن من خلال المنهج التربوي. فعلى سبيل المثال؛ يفصح النظام السياسي في لبنان عن الأهداف العامة للمناهج، «أن المناهج تتوخى تنمية شخصية اللبناني كفرد وكعضو صالح ومنتج في مجتمع ديمقراطي «حر» وكمواطن مدني ملتزم بالقوانين ومؤمن بمبادئ ومرتكزات الوطن، وتستجيب لضرورات بناء مجتمع متقدم ومتكامل يتلاحم فيه أبناؤه في مناخ من الحرية والعدالة والديمقراطية والمساواة»(1). يجمع هذا النص بين الحرية والعدالة، ليعود النص نفسه(2) ويؤكد على معنى تلك الحرية من خلال نقل حرفي للمادة الشيحاوية العاشرة من الدستور اللبناني التي تتكلم عن حرية التعليم وحق الطوائف في إنشاء مدارسها. فيتجلّى بذلك التأكيد على عملية خصخصة شبه مكتملة للمدرسة(3) (وهي عملية إقصاء بحد ذاتها، لمن لا يستطيع أن يدفع). أما من يرسب في هذا الامتحان (بكالوريا- الشهادة المتوسطة- أو أي امتحان نهائي)، فإنه، وبحسب منطق النظام، ليس مواطناً. قد يقول قائل بأن نسب النجاح في الشهادات الرسمية مرتفعة، فلا حاجة إلى التذمّر. الرد السريع والواعي هو بالاستشهاد ببيار بورديو، الذي يشير إلى أن النظام، أو نسق التعليم، عندما يخفض «نسبة الإقصاء» فإن الذين «يلتمسون «مصلحة المجتمع» يأسفون على التبذير الاقتصادي الذي تمثله «حثالة المدرسة» يغفلون عن أن يأخذوا في الحسبان ما في ذلك التبذير فدية عنه، على معنى الربح الذي يلقاه النظام الاجتماعي أن يواري إقصاء الطبقات الاجتماعية أن يبسطه في الزمن».(4) صحيح أن الامتحانات الرسمية تسجّل نسب نجاح مرتفعة، مدعومة بتسهيلات من قبل ميليشيا وزارة التربية، من غش منظم ومدفوع، إلاّ أن تولي الوظائف الدسمة في القطاعين العام والخاص هو في أغلب الأحوال من نصيب أبناء الطبقة الحاكمة، بعيداً عن أسطورة صعود «السلّم درجة درجة». أما من ينجح «بالغش» من الطبقات الشعبية، فهو أكثر من يغيظ النظام التربوي والسياسي، لأنه يأتي من حيث لا يدرون. إلا أن هذا النظام يعرف كيف يرد الطعنة، فيزوده بشهادة تكون مدخلاً له إلى جحيم البطالة أو نار الهجرة. هل «إعادة الإنتاج» تقوم على الإقصاء؟ فعملية إعادة الإنتاج المشار إليها هنا، تحصل عند الامتحان وتكون نتيجتها: نجاح أو رسوب. وهناك نوع آخر من الإقصاء يتم من خلال سيرورة العملية التربوية وتكون نتيجته إما الاستمرار أو التسرب. والأخير، أي التسرب، يحصل «ذاتياً» بشكل ظاهري، إلا أن العوامل الاقتصادية والاجتماعية المفروضة، تجبر التلميذ على ترك المدرسة باكراً بهدف العمل وإعالة عائلته أو مساعدتها. كذلك فإن رأسماله الثقافي يجبره على ذلك. هذا الرأسمال، إذا كان متوافقاً مع لغة المدرسة المستمدة من الطبقة البرجوازية، يُعتَبَر سببًا وراء استمراره، والعكس صحيح. إلا أن هذا الوضوح لا يعجب بعض التربويين مثل عدنان الأمين ومصطفى محسن. إذ يعتبر الأول أن «مسألة تقسيم العمل/الانقسام الطبقي ... لا تفسر «وحدها» أواليات علاقة المدرسة بالمجتمع اللبناني»(6)، إنما، والحديث هنا للأمين، هناك «متغير جديد (اسمه) المساندة العصبية»(7)، الذي يتأتى من العائلة والعشيرة والطائفة. وهذه «المساندة العصبية محكومة بما تسمح قوانين تقسيم العمل. بمعنى أن هذا الأخير هو الذي يتيح التدخل أو عدمه. وهذا الأمر ناتج عن الواقع الاقتصادي نفسه بسبب عدم حدوث تراكم رأسمالي الناتج بدوره من التبعية»(8). أما مصطفى محسن، فيذهب إلى أبعد من ذلك، ويعتبر أن مفهوم «إعادة الإنتاج» يحصل «في المجتمعات الغربية المتسمة بقدر لا يستهان به من التنظيم العقلاني»(9) ويضيف «هذا بالإضافة إلى تميّز البناء الاجتماعي في العالم الثالث والعربي بتشابك «معقد» و»غامض» ... تسود فيه بدل التعامل العقلاني الواضح الشروط والأهداف، أنماط معقدة وملتوية من العلاقات الولائية والزبونية والدموية» وهي، بحسبه، تلعب دوراً أهم من «إعادة الإنتاج» وتوزيع المراتب في المجتمع. كان يلوم في مقاله هذا طالباً استخدم مفهوم «إعادة الإنتاج» في دراسة له عن الواقع التربوي المغربي. الرد على الأمين ومحسن سيكون من خلال ثلاث نقاط: أولا، إن العشيرة والطائفة لا تدعم أبناءها ليصبحوا كلهم بطاركة وشيوخ وأرباب عمل، إنما تبيعهم وهماً من خلال الصلاة ومواظبة الانتماء، بأنهم سيصبحون شيئاً ما على الأرض أو في الجنة (وهنا المصيبة). ثانياً، إن التسرب والرسوب يصيب بشكل أساسي الطبقات الشعبية سواء انتموا إلى العشيرة أو الطائفة أم كانوا ملحدين، والمؤشرات تدعم ذلك، فأظهرت دراسة(10) عبد الفتاح خضر عن واقع التسرب والرسوب في لبنان، أن التسرب المدرسي في المدارس الرسمية قد ارتفع ٢% بين عامي ٢٠٠٠ و٢٠٠٦، وبلغت الزيادة عند تلامذة الصف الرابع الأساسي أكثر من ٤%. أما معدل الرسوب في المدارس الرسمية، بحسب خضر، فيبلغ ضعف المعدل المسجل على صعيد لبنان. كذلك، فمن أصل ١٠٠٠ تلميذ يدخل المدرسة، يتخرج منها ٧٥ على الصعيد العام، وإذا أضفنا معيار الطبقة، فيتخرج من الأغنياء ٢٢٤ تلميذا أما أبناء الطبقات الشعبية فيتخرج منها ٢٧ تلميذا. وبالنسبة إلى قطاع التعليم، فيتخرج ٩ تلامذة من أصل ألف في التعليم الرسمي، أما في التعليم الخاص فيتخرج ٢٢٥ تلميذاً.(11) ثالثاً، من خلال مقالة لإمانويل غروندمان(12) التي «شاهدت» صراع الطبقات عند بعض أنواع القرود في جنوبي إفريقيا، حيث يسيطر زعيم القرود، وتقوم بقية القرود بخدمته، فتبيع قوة عملها، ولتحصل على غذائها عليها أن تنظف الزعيم من القمل، واستنتجت أنه حتى عند القرود، يكوّن الأغنياء ثروتهم على ظهر الفقراء. كلمة أخيرة، يظهر من مقالة الأمين أن البرجوازية الحاكمة في لبنان تابعة لبرجوازية أخرى، وذلك بسبب عدم وجود تراكم رأسمالي. يمكن فهم أن البرجوازية الحاكمة مستغَلَّة وهي بالتالي البروليتاريا التي تريد أن تقود صراعاً مع مستغِلّيها، أما بالنسبة لثرواتها المتراكمة فهي ليست تراكماً. يمكن اعتبار هذا التوصيف الأميني، حكم تخفيفي بحق البرجوازية الحاكمة واعتبارها قاصرة، وعلى الطبقة العاملة أن تنتظر استقلال هذه البرجوازية من هذه التبعية، لتتفرغ لاستغلال الداخل، وانتظار حركة وطنية ومسيحاً ومهدياً، وسياسة المراحل. هل من بديل؟ ثمة عدة حلول طُرحت لحل هذه المعضلة، منها الراديكالي الذي يقترب من الشيوعية الطوباوية أو من الفوضوية الشاملة مثل إلغاء المدرسة (إيفان إيليتش)(13) واستبدالها بعدة حلول، تقوم على انفتاح عملية التعلّم على عالم العمل، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة أمام المتعلم لتعلّم ما يريده، وما هو بحاجة إليه، حيث نجحت هذه التجربة في البرازيل، عندما تعلمت مجموعة من الأميين اللغة خلال 40 ساعة، انطلاقاً من أمور تعنيهم(14)، أو، يضيف إيليتش، بناء مجموعات ذات اهتمامات مشتركة حيث يكون التعلّم من خلال التعاون. كذلك، برز في فرنسا خلال هذه السنة، موضوع اللاامتثاليين بين المعلمين، مثل إروان رودون، الذي تحدى التفتيش التربوي ومنعه من حضور صفه، وقدّم بديلًا تقدمياً للتعليم، الذي يقوم على التربية التعاونية(15). رودون ليس وحيداً في فرنسا، وأكثر ما أزعج النظام الفرنسي أن نتائج هذه الطريقة كانت أسرع عند التلامذة من أقرانهم الذين يخضعون للمنهج العادي. يتلاقى مهدي عامل(16)، رغم الفارق في الزمن، مع رودون من خلال تعميم ديمقراطية التعليم - التي يقول عنها أحد رفاق مهدي السابقين أنها جعلت من التعليم في لبنان تعليماً سطحياً وتافهاً - حيث تقوم بحسب مهدي على دفع المدرسة الرسمية بكافة عناصرها من طلاب ومعلمين وما تمثله بين الطبقات الشعبية لخوض صراع طبقي مع المدرسة الخاصة وما تمثله من مصالح، لبرجوازية ذلك الزمن السبعيني من القرن الماضي. والمدرسة الرسمية، والكلام لعامل، مدفوعة بحركة يسارية سياسية ونقابية، كانت تعيش فعلاً هذا الصراع مع غريمتها، إلى أن أتت الحرب الأهلية وقضت على المدرسة الرسمية. تحوّل هذا الدعم من قبل الحركة الوطنية إلى عبء مع تحول الحركة إلى طائفية من لون واحد. وكانت النتيجة أن زادت المدارس الخاصة والطائفية، لتقوم بدورها بالاصطفاء. الحركة النقابية القائمة عام ٢٠٠٩ في لبنان، التي تقتصر (تقريبا) على روابط المعلمين والأساتذة، تعاني من ضعفين: الأول، غياب دعم سياسي يساري فاعل على غرار السبعينيات، وغياب النضال القادر(17) على حمل خطاب تربوي تقدمي يترافق مع المطالب المعيشية والاقتصادية (على أهميتها الشديدة)، فعند انتهاء كل تحرك مطلبي بنجاح نسبي يحتار المعلمون الرسميون أين سيضعون أولادهم في أية مدرسة أو جامعة خاصة. كي لا تغرق الأمور في سوداوية أكبر، يبقى أن تصيغ هذه الروابط خطاباً وموقفاً يخدم مصالح الطبقات الشعبية، تدافع فيه عن بقاء المدرسة الرسمية (مكان عملها)، وتعمل على إلغاء المدرسة الخاصة وكل آليات الإقصاء، ومن بينها الامتحانات وآليات إنتاج النخب في لبنان، وإعادة إنتاجهم. المراجع والمصادر: أرسل تعليق جديد |
بحثالمنشورملفاتتصفح |