عائدات الهدوء السياسي

مقدم بواسطة almanshour فى 26 يناير, 2010 - 2:50pm.

هبة عبّاني

المنشور - العدد 17 - خريف 2009

حقّق لبنان هذه السنة رقماً قياسياً لجهة عدد السيّاح الذين قصدوه، خاصة من السعودية، حيث حلّ الإنفاق السعودي في لبنان في المرتبة الأولى وفق global fund، وقد بلغ عدد الزوّار ما يقارب 1.8 مليون زائر.

هذه الطفرة السياحية أنعمتها علينا القوى السياسية المتنازعة/المتشاركة في الحكم، والتي على امتداد تصارعها على السلطة وموارد الدولة، زادت من سوء الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي للطبقات العاملة في لبنان.

فخلال أشهر الصيف المنصرم، شهد القطاع الخدماتي في لبنان ازدحاماً مفرطاً، حيث غصّت الفنادق بالزوار رغم ارتفاع كلفة الغرفة ١٠٨% عن العام الماضي، وحلّت مبيعات محال الثياب والعطورات والساعات في المرتبة الأولى لجهة الإنفاق السياحي هذا العام، إضافةً إلى اكتظاظ المطاعم والملاهي الليلية بالسهّيرة القادمين من كل حدب وصوب.

تبشّر هذه الصورة بواقع زهري، متفائل، إلا أنها تحمل في طياتها واقعاً مختلفاً. فكيف استفاد اللبنانيون عموماً من هذه الطفرة السياحية ؟

إنّ الإقبال الشديد على الفنادق والمطاعم والملاهي الليلية، لم يكن له أي مردود لجهة رفع أجور أو تحسين ظروف عمل العاملين والعاملات في تلك القطاعات. فمن جهة، أسهم ازدياد الزبائن في ازدياد ساعات العمل والمهام الموكلة إليهم. ومن جهة أخرى، إن أي استفادة كانت مؤقتة. اليوم، نشهد حملات تسريح عدد كبير من العمال في القطاعات الخدماتية السياحية والمصرفية التي حققت نسبة الأرباح الأعلى خلال السنة المنصرمة، وغيرها كالإعلام. إذنْ، كيف ساهمت السياحة في التخفيف من عبء البطالة؟ وإلى أية جهة تحوّلت تلك الأموال إن لم يكن لها أي مردود على العمال والعاملات الذين جعلوا من سير العجلة السياحية أمراً ممكناً؟

القطاع الاستشفائي شهد بدوره انتعاشاً، انعكس بالطبع ارتفاعاً باهظاً لجهة أسعار الأسرّة في المستشفيات وامتلاء غرفها بالسيّاح السعوديين، القادرين طبعاً على تسديد الفاتورة الخيالية. أما اللبنانيون، فقد ضاق بهم هذا القطاع الذي يعاني أصلاً من عجز و يتخذ دوراً تجارياً تحكمه قوانين المضاربة والربح والعرض والطلب شأنه شأن أية سلعة أخرى.

توافد الأثرياء الخليجيين على لبنان بشكل خاص، ارتبط بموجة مُستعِرة لتملّك واستئجار الشقق في بيروت. رفع ازدهار هذا القطاع بدلات الإيجار في بيروت وضواحيها بنسبة تتراوح بين ٣٠ و٤٠%. هذه النسبة تتجاوز الزيادة الهزيلة على الأجور التي أقرّتها حكومة الوحدة الوطنية بعد مؤتمر الدوحة المجيد.

تلك الزودة كان قد سبقها تضخم في الأسعار امتدّ من العام ١٩٩٦ حتّى تاريخ إقرارها، وهي لا تكفي أصلاً لسدّ حاجيات الحياة اليومية التي كانت قد بدأت أسعارها بالارتفاع الجنوني في السنوات التي تلت حرب تموز. فكيف هو الحال إذن بعد التبذير السعودي على الشقق– وأصحاب رؤوس الأموال و«المغتربين»؟

أمّا واقع الكهرباء الذي يُعتبر معضلة تُعصى على كافّة الحلول، نتيجة العجز الدائم الذي يؤدي إلى حرمان المناطق، خاصة الضواحي والمدن والقرى خارج العاصمة بيروت، فقد أصبحت أكثر ظلامية. لقد نعمت الفنادق والملاهي الليلية والأماكن السياحية بكميات هائلة من الطاقة كانت تكفي لإنارة العديد من القرى لأشهر عدّة. انعكس هذا حرماناً أكثر شدة في الفترة الأخيرة، نظرًا لتعذّر توفير الطاقة اللازمة الّتي من شأنها أن تغطّي حاجة المناطق اللبنانية إلى التغذية بالكهرباء. كلّ هذا لم يكن كافياً لطرح الإشكالية الكامنة في توزيع الكهرباء بين المناطق، بل جعل من مسألة خصخصة قطاع الطاقة أمراً واقعاً تسعى الحكومة إلى فرضه.

هذه هي بالفعل عائدات «الهدوء السياسي» الذي قطفته أطراف السلطة من أجل زيادة رساميلها في المصارف والاستثمارات. وها هم اليوم قد اتفقوا على توزيع الحصص. كل عام وأنتم بخير!


أرسل تعليق جديد



The content of this field is kept private and will not be shown publicly.


*

  • Lines and paragraphs break automatically.